عبد الوهاب الشعراني
18
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
ثم إذا رجعوا بعد انتهاء سيرهم إلى إرشاد الخلق يرجعون وعليهم خلعة الحلم والعفو والستر ، فتحملوا أذى الخلق ورضوا عن اللّه تعالى في جميع ما يصدر عن عباده في حقهم ، فرفع اللّه بذلك قدرهم بين عباده وكمل بذلك أنوارهم ، وحقق بذلك ميراثهم للرسل في تحمل ما يرد عليهم من أذى الخلق ، وظهر بذلك تفاوت مراتبهم فإن الرجل يبتلى على حسب دينه . قال اللّه تعالى : وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا « 1 » وقال تعالى : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا « 2 » وذلك لأن الكمل لا يخلو أحدهم عن هذين الشهودين . إما أن يشهد الحق تعالى بقلبه فهو مع الحق لا التفات له إلى عباده وإما أن يشهد الخلق فيجدهم عبيد اللّه تعالى فيكرمهم لسيدهم وإن كان مصطلما فلا كلام لنا معه لزوال تكليفه حال اصطلامه . فعلم أنه لا بدّ لمن اقتفى آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الأولياء والعلماء أن يؤذي كما أوذوا ويقال فيه البهتان والزور كما قيل فيهم ليصبر كما صبروا ويتخلق بالرحمة على الخلق رضي الله عنهم أجمعين . وسمعت سيدي عليا رضي اللّه تعالى عنه يقول : لو أن كمال الدعاة إلى اللّه تعالى كان موقوفا على إطباق الخلق على تصديقهم لكان الأولى بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والأنبياء قبله وقد صدقهم قوم وهداهم اللّه بفضله وحرم آخرون فأشقاهم اللّه تعالى بعدله . ولما كان الأولياء والعلماء على أقدام الرسل عليهم الصلاة والسلام في مقام التأسي بهم انقسم الناس فيهم فريقين : فريق معتقد مصدق وفريق منتقد مكذب كما وقع للرسل عليهم الصلاة والسلام ليحقق اللّه تعالى بذلك ميراثهم فلا يصدقهم ويعتقد صحة علومهم وأسرارهم إلا من أراد اللّه عزّ وجل أن يلحقه بهم ولو بعد حين . وأما المكذب لهم المنكر عليهم فهو مطرود عن حضرتهم ، لا يزيده اللّه تعالى بذلك إلا بعدا وإنما كان المعترف للأولياء والعلماء بتخصيص اللّه تعالى لهم وعنايته بهم
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : الآية 73 . ( 2 ) سورة الأنعام : الآية 34 .